أبي الفرج الأصفهاني

220

الأغاني

/ علَّمني جودك السّماح فما أبقيت شيئا لديّ من صلتك لم أبق شيئا إلَّا سمحت به كأنّ لي قدرة كمقدرتك تتلف في اليوم بالهبات وفي الساعة ما تجتنيه في سنتك فلست أدري من أين تنفق لولا أنّ ربّي يجزى على صلتك فلما كان في اليوم الرابع بعث إليّ ، فصرت إليه ودخلت عليه فسلَّمت ؛ فرفع بصره إليّ وقال : اسقوه رطلا فسقيته ، وأمر لي بآخر وآخر فشربت ثلاثا ؛ ثم قال لي : غنّ : إني لأكنى بأجبال عن أجبلها فغنّيته ثم أتبعته بالأبيات التي قلتها ، وقد كنت غنّيت فيها لحنا في طريقة الصوت ؛ فقال : ادن فدنوت ، وقال : اجلس فجلست ، فاستعاد الصوت الذي صنعته فأعدته . فلما فهمه وعرف معنى الشعر قال لخادم له : أحضرني فلانا فأحضره ؛ فقال : كم قبلك من مال الضّياع ؟ قال : ثمانمائة ألف درهم ؛ فقال : احضر بها الساعة ؛ فجيء بثمانين بدرة ؛ فقال للخادم : جئني بثمانين غلاما مملوكا ، فأحضروا ؛ فقال : احملوا هذا المال ؛ ثم قال : يا أبا محمد ، خذ المال والمماليك حتى لا تحتاج أن تعطي لأحد منهم شيئا . مهاجاته محمد بن راشد وما كان بينهما : أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الحسين بن محمد بن طالب قال : كان إسحاق بن إبراهيم الموصليّ كثير الغشيان لإسحاق بن إبراهيم بن مصعب والحضور لسمره ، وكان إسحاق بن إبراهيم يرى ذلك له ويسني جوائزه ويواتر [ 1 ] صلاته ويشاوره في بعض أموره ويسمع منه ؛ فأصيب إسحاق ببصره قبل موته بسنتين ، / فترك زيارة إسحاق وغيره ممن كان يغشاهم ولزم بيته . وخرج إسحاق يوما إلى بستان له بباب قطربّل وخرج معه ندماؤه وفيهم موسى بن صالح بن شيخ [ 2 ] بن عميرة ومحمد بن راشد الخنّاق والحرّاني ؛ فجرى ذكر إسحاق الموصليّ ، فتوجّع له إسحاق وذكر أنسه [ 3 ] به وتمنّى حضوره ، وذكر [ ه ] القوم فأطنبوا في نشر محاسنه وشيّعوا ما ذكره به إسحاق بما حسن موقعه لهم عنده ؛ وذكره محمد بن راشد ذكرا لم يحمده أصحابه عليه ، وزجره إسحاق ، فأمسك عنه ؛ فلما انصرفوا من مجلسهم نمي إلى إسحاق الموصليّ ما كان فيه القوم في يومهم وما جرى من ذكره ؛ فكتب إلى موسى بن صالح : / ألا قل لموسى الخير موسى بن صالح ومن هو دون الخلق إلفي وخلصاني [ 4 ] ومن لو سألت الناس عنه لأجمعوا على أنّه أفتى [ 5 ] معدّ وقحطان

--> [ 1 ] يواتر : يتابع . [ 2 ] كذا فيء . وفي ح ، م : « شيخ عميرة » . وفي أ ، ب ، س : « سنح بن عميرة » بالسين والنون والحاء المهملة ، وكلاهما تحريف . ( راجع الطبري في أسمى موسى بن صالح بن شيخ وعميرة أبي شيخ بن عميرة الأسدي قسم 3 ص 1641 ، 935 ) . [ 3 ] في جميع الأصول : « وذكر أنسه كان به » . وظاهر أن كلمة « كان » هنا مقحمة . [ 4 ] الخلصان : الخالص من الأخدان ، يستوي فيه الواحد والجمع ، يقال : هم خلصاني ، وهو خلصاني . [ 5 ] أفتى : أفعل تفضيل من الفتوّة وهي الكرم والمروءة .